My Blog List

Wednesday, October 05, 2011

حكم الأناشيد الإسلامية في ضوء القرآن والسنة وأقوال العلماء


حكم الأناشيد الإسلامية في ضوء القرآن والسنة وأقوال العلماء


تمهيد


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


تُعدّ الأناشيد من المسائل التي وقع فيها كلام بين أهل العلم، ولا يصح إطلاق حكم واحد على جميع ما يسمى اليوم بالأناشيد الإسلامية؛ لأن الحكم يختلف باختلاف الكلمات، وطريقة الأداء، وما يصاحب الإنشاد من مؤثرات أو آلات، وكذلك بحسب ما يترتب عليه من مصالح أو مفاسد.


والأصل أن الشعر والكلام المباح لا يُمنع لمجرد كونه منظوماً أو ملحناً، وإنما يُنظر في مضمونه وطريقة أدائه وما يصاحبه من أمور محرمة.


________________________________________


أولاً: الإنشاد والشعر في السنة النبوية


ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أنهم كانوا يسمعون الشعر وينشدونه في مناسبات مختلفة، ومن ذلك ما وقع أثناء حفر الخندق.


فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه من الجوع والتعب قال:


«اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ».


فأجابوه:


«نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا، عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا».


المصدر: صحيح البخاري.


وهذا يدل على أن الإنشاد في أصله ليس ممنوعاً إذا كان الكلام مباحاً، ولم يصاحبه محظور شرعي.


كما ثبت أن الصحابي حسان بن ثابت رضي الله عنه كان ينشد الشعر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يدافع عن الإسلام والمسلمين بشعره.


________________________________________


ثانياً: الضابط الأساسي هو مضمون النشيد


الأناشيد ليست في حكم واحد، بل منها ما يكون مباحاً إذا اشتمل على معانٍ صحيحة، كالحث على الخير، والتذكير بالله، وبيان مكارم الأخلاق، والزهد في الدنيا، والاستعداد للآخرة.


أما إذا اشتملت على ألفاظ محرمة، أو دعوة إلى المعصية، أو الغلو، أو إثارة الشهوات، أو معانٍ مخالفة للعقيدة والشريعة، فإنها تُمنع بسبب ما اشتملت عليه من محظورات.


قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين رحمه الله:

«الشعر مثل الكلام، فحسنه حسن وقبيحه قبيح».


ثم بيّن أن الإنشاد الذي يشتمل على الترغيب في الخير والمواعظ ومكارم الأخلاق ونحو ذلك مباح، مع مراعاة ألا تكون طريقة أدائه مشتملة على ما يفتن أو يوقع في المحظور.


المصدر: اللؤلؤ المكين من فتاوى الشيخ ابن جبرين، الفتوى رقم 378.


________________________________________


ثالثاً: قول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله


قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله:


«الأناشيد الإسلامية مثل الأشعار؛ إن كانت سليمة فهي سليمة، وإن كانت فيها منكر فهي منكر».


وبيّن رحمه الله أن الحكم لا يكون على الأناشيد كلها بحكم واحد، وإنما ينظر إلى محتواها وما يصاحبها.


وقال أيضاً إن الأناشيد التي تشتمل على الدعوة إلى الخير، والتذكير بطاعة الله ورسوله، ونحو ذلك، لا حرج فيها إذا سلمت من الأمور المنكرة، أما إذا اشتملت على المعاصي أو الفساد أو المنكرات فلا يجوز الاستماع إليها.


المراجع: أسئلة وأجوبة الجامع الكبير، رقم 90/أ؛ ومجموع فتاوى الشيخ ابن باز، 3/437.


________________________________________


رابعاً: قول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله


ذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله أن الأناشيد في بدايتها كانت أقرب إلى الشعر المباح، ثم طرأ على بعض أنواعها تغيّر في طريقة الأداء والألحان والأصوات.


وبيّن رحمه الله أن النشيد إذا خلا من الأمور المحرمة، وكان أداؤه بعيداً عن ألحان الأغاني المحرمة، فلا بأس به، أما إذا صاحبه ما يجعله شبيهاً بالغناء المحرم أو اشتمل على ما يفتن السامع، فإنه لا يجوز الاستماع إليه.


وقال رحمه الله:


«لو جاءنا إنسان ينشد أناشيد لها هدف، وليس فيها شيء من سفاسف الأمور، وبصوته وحده بدون آلات لهو: هذا لا بأس به».


وأشار رحمه الله إلى ما كان معروفاً عند الصحابة من إنشاد الشعر، ومن ذلك إنشاد حسان بن ثابت رضي الله عنه في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.


المراجع: الصحوة الإسلامية، ص 185؛ ودروس وفتاوى الحرم المدني، عام 1416هـ، السؤال رقم 18.


________________________________________


خامساً: قول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله


قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله إن الأناشيد ذات المعاني الإسلامية، إذا لم تصحبها آلات موسيقية، ولا تشتمل على مخالفات شرعية، فلا بأس بها.


وأكد رحمه الله على شرط مهم، وهو ألا تتحول الأناشيد إلى عادة ملازمة تشغل المسلم عن القرآن الكريم، وطلب العلم النافع، والدعوة إلى الله تعالى.


ومن ذلك يتبين أن المباح قد يتحول إلى أمر غير محمود إذا أدى الإفراط فيه إلى ترك ما هو أفضل وأنفع.


المصدر: مجلة الأصالة، العدد الثاني، 15 جمادى الآخرة 1413هـ، ص 73.


________________________________________


سادساً: فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء


جاء في فتاوى اللجنة الدائمة أن الأناشيد التي تحتوي على الحكم والمواعظ والتذكير بالخير يمكن أن تكون بديلاً عن الأغاني المحرمة، بشرط خلوها من المحاذير الشرعية.


وبيّنت اللجنة أن الأولى للمسلم أن يجعل عنايته بالقرآن الكريم والأذكار النبوية الثابتة، وألا يجعل الأناشيد ورداً دائماً يلازمه.


واستدلوا بقول الله تعالى:


﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾


[الزمر: 23].


وقال تعالى:


﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾


[الرعد: 28].


المصدر: فتاوى إسلامية لأصحاب الفضيلة العلماء، جمع وترتيب محمد بن عبد العزيز المسند، 4/532-533.


________________________________________


سابعاً: من هدي الصحابة في الحداء والرجز


ثبت في السنة أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستعملون الحداء والرجز في بعض الأحوال، وخاصة أثناء السفر والعمل والجهاد.


ففي غزوة الخندق كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرددون الأشعار أثناء العمل، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:


«اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ».


كما ثبت في صحيح البخاري أن عامر بن الأكوع رضي الله عنه كان يحدو بالصحابة في طريقهم إلى خيبر، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأقرّه.


وهذه النصوص تدل على أن مجرد نظم الشعر أو رفع الصوت به ليس محرماً في ذاته، وإنما ينظر إلى الكلام المصاحب له وطريقة أدائه وما يترتب عليه.


________________________________________


ثامناً: الفرق بين السماع والإنشاد المصحوب بالمحرمات


ينبغي التفريق بين أصل الإنشاد وبين ما قد يضاف إليه من آلات أو مؤثرات أو طرق أداء محرمة.


فإذا كان الكلام مباحاً، والأداء خالياً من المحظورات، ولم يترتب عليه ترك واجب أو الوقوع في محرم، فالأصل فيه الجواز عند من أجازه من أهل العلم.


أما إذا اقترن بمحرم، فإن الحكم يتغير بحسب المحرم المصاحب له.


ولهذا قرر العلماء أن الأناشيد ليست نوعاً واحداً، بل تختلف أحكامها باختلاف محتواها وأسلوبها وما يصاحبها.


________________________________________


تاسعاً: عدم الإفراط في الأناشيد


حتى عند القول بجواز بعض الأناشيد، ينبغي ألا تتحول إلى شغل دائم يطغى على حياة المسلم.


فالقرآن الكريم هو أعظم ما ينبغي للمسلم أن يعتني به، وكذلك الأذكار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وطلب العلم النافع.


قال الله تعالى:


﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾


[المزمل: 4].


وقال سبحانه:


﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾


[الكهف: 24].


ولهذا شدد عدد من أهل العلم على ألا تصبح الأناشيد بديلاً عن القرآن أو سبباً في إهمال العلم والعبادة.


________________________________________


عاشراً: الضوابط الشرعية للأناشيد


يمكن تلخيص أهم الضوابط فيما يأتي:


أن يكون مضمون النشيد مباحاً، خالياً من العقائد الباطلة والألفاظ المحرمة والدعوة إلى المعصية.


أن يخلو من الآلات الموسيقية المحرمة عند من يقول بتحريمها.


ألا يكون أداؤه بطريقة تشبه الأغاني المحرمة أو تثير الشهوات والفتن.


ألا يشتمل على مؤثرات صوتية تؤدي وظيفة الآلات الموسيقية.


ألا يكون وسيلة إلى ترك القرآن أو العلم أو الفرائض والواجبات.


ألا يُتخذ ديدناً يلازم المسلم في جميع أوقاته.


أن تكون الكلمات والمعاني سليمة وموافقة للآداب الشرعية.


________________________________________


الخلاصة


يتبين من مجموع النصوص وكلام أهل العلم أن إطلاق الحكم على جميع الأناشيد الإسلامية بالجواز المطلق أو التحريم المطلق ليس دقيقاً؛ لأن الأناشيد تختلف باختلاف محتواها وطريقة أدائها وما يصاحبها.


وقد ثبت أصل إنشاد الشعر والحداء والرجز عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في مناسبات متعددة، كما أن العلماء الذين أجازوا بعض صور الأناشيد اشترطوا خلوها من المحرمات وعدم الإفراط فيها.


وعليه، فالعبرة بالمحتوى، وطريقة الأداء، وما يصاحب النشيد من أمور، وما يترتب عليه في حياة المسلم.


والأولى للمسلم دائماً أن يجعل القرآن الكريم والأذكار النبوية والعلم النافع أساس عنايته، وأن يتعامل مع الأناشيد في حدود المباح، دون غلو أو إفراط.


والله تعالى أعلم.


________________________________________


أهم المراجع


القرآن الكريم.


صحيح البخاري.


صحيح مسلم.


فتح الباري شرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني.


شرح صحيح مسلم، للإمام النووي.


مصنف ابن أبي شيبة.


مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز.


الصحوة الإسلامية، للشيخ محمد بن صالح العثيمين.


دروس وفتاوى الحرم المدني، للشيخ محمد بن صالح العثيمين.


اللؤلؤ المكين من فتاوى الشيخ ابن جبرين.


مجلة الأصالة، العدد الثاني، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.


فتاوى إسلامية لأصحاب الفضيلة العلماء، جمع وترتيب محمد بن عبد العزيز المسند.



No comments:

Post a Comment