«نعمت البدعة هذه» و«كل بدعة ضلالة»: كيف
نفهم الحديثين؟
البدعة الحسنة في الإسلام: مفهومها وأقسامها وأدلتها
تُعدّ مسألة البدعة من المسائل التي كثر فيها النقاش، وخصوصًا عند الحديث عن قول النبي ﷺ: «كل بدعة ضلالة»، وقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح: «نِعْمَتِ البدعةُ هذه»
ولفهم هذه المسألة فهمًا صحيحًا، لا بد من التمييز بين معنى البدعة في اللغة ومعناها في الاصطلاح الشرعي، ومعرفة طريقة العلماء في التعامل مع الأمور التي ظهرت بعد عهد النبي ﷺ، وهل كل أمر جديد يُعدّ بدعة محرمة، أم أن الأمور المحدثة منها ما يكون محمودًا ومنها ما يكون مذمومًا؟
وقد اختلف العلماء في طريقة التعبير عن ذلك، لكن عند التأمل في كلام أئمة الفقه والحديث يتبين أن الخلاف في جانب كبير منه خلاف اصطلاحي في تسمية الأشياء، وليس خلافًا في أصل تحريم ما يخالف الشريعة
أولًا: معنى البدعة في اللغة
البدعة في اللغة مأخوذة من مادة «ب د ع»، وهي تدل على إنشاء الشيء وإحداثه على غير مثال سابق
قال الله تعالى
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
[البقرة: 117]
وقال سبحانه
وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ
[الحديد: 27]
قال ابن منظور في لسان العرب إن البدعة هي الأمر المحدث، وأن أكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم
ومن هذا المعنى اللغوي يتضح أن كلمة بدعة في أصل اللغة تعني شيئًا جديدًا مُحدثًا، ولا يلزم من مجرد كونه جديدًا أن يكون حرامًا
ثانيًا: معنى البدعة في الاصطلاح الشرعي
اختلف العلماء في تعريف البدعة شرعًا، ويمكن إجمال اتجاهاتهم في مسلكين مشهورين
1. المسلك الذي يجعل البدعة أعم من المذموم
ذهب عدد من العلماء، ومن أبرزهم الإمام عز الدين بن عبد السلام، إلى أن البدعة تشمل كل أمر لم يكن موجودًا على الصورة المعروفة في عهد رسول الله ﷺ، ثم تُعرض هذه الأمور على قواعد الشريعة
قال الإمام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله
«البدعة فعل ما لم يُعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة
ثم بيّن أن معرفة حكم البدعة تكون بعرضها على قواعد الشريعة
فإن دخلت في قواعد الواجب فهي واجبة
وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة
وإن دخلت في قواعد الندب فهي مندوبة
وإن دخلت في قواعد الكراهة فهي مكروهة
وإن دخلت في قواعد الإباحة فهي مباحة
وهذا التقسيم ذكره أيضًا الإمام النووي رحمه الله ناقلًا عن عز الدين بن عبد السلام في الأذكار
ثالثًا: المسلك الآخر في تعريف البدعة
ذهب علماء آخرون إلى أن لفظ البدعة إذا استُعمل شرعًا فإنه ينصرف إلى البدعة المذمومة، أما الأمور الجديدة التي لها أصل في الشريعة فلا يسمونها بدعة شرعية، وإن كانت بدعة من الناحية اللغوية
ومن أشهر من قرر هذا المعنى الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، فقال
«المراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة
وهذا التفريق مهم جدًا؛ لأن كثيرًا من الخلاف في هذه المسألة سببه استعمال كلمة «بدعة» بمعنيين مختلفين
فقد يقول عالم: هذا الأمر بدعة باعتبار المعنى اللغوي، ثم يقول إنه جائز أو مستحب باعتبار الحكم الشرعي
بينما قد لا يسميه عالم آخر بدعة أصلًا؛ لأنه يقصر لفظ البدعة الشرعية على ما لا أصل له في الدين
رابعًا: هل كل شيء جديد في الدين يكون حرامًا؟
ليس كل أمر جديد يُحكم عليه بالتحريم لمجرد أنه لم يكن موجودًا في عهد النبي ﷺ
والضابط المهم هو
هل لهذا الأمر أصل معتبر في الشريعة أم لا؟
فإن كان الأمر الجديد مخالفًا للقرآن أو السنة أو الإجماع أو قواعد الشريعة، أو أُدخل في الدين على أنه عبادة مستقلة بلا دليل، فهو من البدع المذمومة
أما إذا كان الأمر الجديد وسيلة أو تنظيمًا أو صورة جديدة لتحقيق مقصد مشروع ثبت أصله في الشريعة، فلا يلزم أن يكون محرّمًا
وهنا تظهر أهمية التفريق بين العبادة المقصودة لذاتها
وبين لاوسائل والتنظيمات التي تخدم عبادة مشروعة
خامسًا: حديث «كل بدعة ضلالة»
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال
«وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»
رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة
وهذا الحديث أصل عظيم في التحذير من إحداث ما لا أصل له في الدين
لكن فهم الحديث يحتاج إلى جمعه مع بقية النصوص وكلام العلماء في معنى البدعة
فليس المقصود أن كل أمر جديد في حياة المسلمين، سواء في أمور الدين أو الدنيا، أصبح بمجرد حدوثه ضلالة
فالناس استحدثوا عبر القرون وسائل كثيرة لخدمة العلم والدين، مثل تصنيف الكتب، وإنشاء المدارس، ووضع علوم اللغة، وجمع علوم الحديث في المصنفات، وإنشاء المكتبات، وغير ذلك
والمقصود بالذم هو الإحداث في الدين بما لا أصل له في الشريعة
سادسًا: قول الإمام الشافعي في المحدثات
من أقوى ما نُقل عن علماء الأمة في هذه المسألة كلام الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله قال
«المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أُحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما أُحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذموم
نقله أبو نعيم في حلية الأولياء، والبيهقي في مناقب الشافعي
وهذا النص يوضح أن مجرد حدوث الشيء بعد عصر النبي ﷺ لا يكفي للحكم عليه بالضلالة، بل لا بد من النظر في موافقته أو مخالفته لأصول الشريعة
سابعًا: كلام الإمام الغزالي
وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين
ليس كل ما أُبدع منهيًا عنه، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمرًا من الشرع
وهذا يقرر قاعدة مهمة، وهي أن البدعة المذمومة ليست مجرد أمر لم يكن موجودًا في زمن النبي ﷺ، وإنما هي ما يُحدث بطريقة تعارض أصلًا شرعيًا ثابتًا
ثامنًا: صلاة التراويح وقول عمر «نعمت البدعة هذه
من أشهر الأدلة التي يُستدل بها على استعمال كلمة البدعة في معنى أوسع من البدعة المذمومة ما وقع في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
روى عبد الرحمن بن عبد القاري رحمه الله، وهو تابعي، أنه خرج مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ليلة من ليالي رمضان إلى المسجد، فرأى الناس يصلون أوزاعًا متفرقين؛ يصلي الرجل وحده، ويصلي الرجل فيصلّي بصلاته جماعة
فقال عمر رضي الله عنه
«إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل»
فجمعهم على أُبي بن كعب رضي الله عنه ثم خرج عمر رضي الله عنه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال
«نِعْمَ البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون»
رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب صلاة التراويح
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن صلاة التراويح نفسها ليست عبادة اخترعها عمر رضي الله عنه؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ صلى بأصحابه قيام رمضان جماعة، ثم ترك الاجتماع بهم خشية أن تُفرض عليهم
فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال
«مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
رواه البخاري ومسلم
وثبت أن النبي ﷺ صلى بأصحابه ليالي من رمضان، ثم ترك الخروج إليهم، وقال إنه خشي أن تُفرض عليهم
وعليه، فإن عمر رضي الله عنه لم ينشئ عبادة جديدة من أصلها، وإنما جمع الناس على إمام واحد بعد وفاة النبي ﷺ وانقطاع الوحي وزوال خشية فرضها عليهم
ولهذا قال العلماء إن قول عمر «نعمت البدعة» محمول على البدعة بالمعنى اللغوي، أو على الأمر المحدث من حيث الصورة والتنظيم، لا على البدعة الشرعية المذمومة
تاسعًا: قول ابن عمر «بدعة» في صلاة الضحى جماعة
ومن الأدلة المهمة أيضًا ما رواه مجاهد بن جبر رحمه الله، قال
دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، فسألناه عن صلاتهم، فقال: «بدعة»
رواه البخاري ومسلم
وهذا الأثر يبين أن لفظ «بدعة» كان قد يُستعمل عند السلف في وصف صورة من صور العبادة لم تكن معروفة على ذلك الوجه، دون أن يعني ذلك بالضرورة الحكم على أصل العبادة كلها بأنها محرمة
فصلاة الضحى نفسها ثابتة في السنة، وإنما الكلام في الاجتماع عليها بتلك الصورة
وهذا يؤكد أهمية معرفة المقصود من كلمة «بدعة» في كلام العلماء والسلف
عاشرًا: البدعة الحسنة عند العلماء
بناءً على كلام عدد من أئمة العلم، فإن الأمور المحدثة يمكن أن تكون لها أحكام مختلفة بحسب علاقتها بأصول الشريعة
1. البدعة الواجبة
ومن أمثلتها ما ذكره العلماء من العلوم والوسائل التي لا يمكن حفظ الشريعة وفهمها إلا بها
ومن ذلك علم النحو، إذا كان تعلمه وسيلة ضرورية لفهم القرآن والسنة وصيانة اللسان من الخطأ والقاعدة الأصولية هنا ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
فإذا توقف حفظ أمر واجب على وسيلة مستحدثة، أخذت الوسيلة حكم ما تؤدي إليه بحسب الضوابط الشرعية
2. البدعة المندوبة
ومن أمثلتها عند من يستعمل تقسيم البدع
إنشاء المدارس الشرعية
جمع الناس على بعض صور التعليم والتنظيم
بناء المؤسسات التي تخدم العلم والدين
بعض الوسائل الجديدة التي تحقق مقصدًا شرعيًا مشروعًا
فهذه الأمور لم تكن موجودة بصورتها الحالية في عهد النبي ﷺ، لكنها تخدم مقاصد شرعية ثابتة
3. البدعة المباحة
وهي الأمور المستحدثة التي لا تتعارض مع الشرع ولا تتعلق باعتقاد أنها عبادة مستقلة
ومن أمثلتها ما ذكره العلماء من بعض العادات والوسائل، مثل التوسع في أنواع المأكل والملبس المباحة، ونحو ذلك
4. البدعة المكروهة
ومن الأمثلة التي ذكرها بعض العلماء المبالغة في زخرفة المساجد أو زخرفة المصاحف، إذا أدت إلى أمر مكروه أو شغلت عن المقصود والحكم هنا لا يكون لمجرد كونها جديدة، وإنما لما يترتب عليها من معنى شرعي
5. البدعة المحرمة
وهي أهم أنواع البدع وأخطرها، وهي إحداث أمر في الدين لا أصل له في الشريعة أو اعتقاد عبادة لم يشرعها الله تعالى ورسوله ﷺ ومن أمثلتها الاعتقادات والعبادات التي تخالف نصوص القرآن والسنة أو أصول الشريعة
وهذا هو النوع الذي يدخل في التحذير الوارد في حديث
«كل بدعة ضلالة»
الحادي عشر: حديث «من سن في الإسلام سنة حسنة»
ومن الأدلة التي ينبغي فهمها في هذا الباب حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ
«مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة
وقد جاء الحديث في سياق حث النبي ﷺ على الصدقة عندما جاء قوم محتاجون، فبادر رجل من الصحابة بالصدقة، فاقتدى به الناس ولهذا فإن معنى «سن سنة حسنة» ليس اختراع عبادة لم يشرعها الله، وإنما المبادرة إلى عمل مشروع وإحياء طريق من الخير والاقتداء به
وهذا ينسجم مع حديث النبي ﷺ
«مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»
رواه مسلم عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه
الثاني عشر: السنة الحسنة ليست تشريعًا جديدًا
من المهم جدًا ألا يُفهم حديث «من سن في الإسلام سنة حسنة» على أن الإنسان يستطيع أن يشرع عبادة من عند نفسه فالتشريع حق لله تعالى، وقد قال سبحانه
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ
[الشورى: 21]
فلا يجوز لأحد أن يقول: هذه العبادة واجبة أو هذه العبادة سنة شرعية ثابتة لمجرد أنها أعجبته ولكن يجوز أن تظهر وسيلة جديدة لتحقيق عبادة أو مقصد شرعي ثابت، ما دامت الوسيلة نفسها لا تخالف الشرع. وهنا يظهر الفرق بين
إحداث عبادة جديدة بلا دليل
وبين
إحداث وسيلة أو تنظيم جديد لتحقيق عبادة ثبت أصلها بالدليل
الثالث عشر: هل تسمية الشيء «بدعة» تعني أنه حرام؟
لا يصح أن يُبنى الحكم بالتحريم على مجرد استعمال كلمة بدعة
فقد يستعمل العالم كلمة بدعة بمعناها اللغوي، بينما يقصد أنها أمر محدث، ثم يحكم عليه بالإباحة أو الاستحباب
ومن هنا قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله
وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا ومنها ما يكون بخلاف ذلك
فتح الباري شرح صحيح البخاري
ولهذا يجب قبل الحكم على أي عمل أن تُطرح أسئلة مهمة
هل هو عبادة مقصودة لذاتها أم وسيلة؟
هل له أصل في القرآن أو السنة؟
هل يدخل تحت قاعدة شرعية عامة؟
هل يخالف نصًا صحيحًا؟
هل يعتقد فاعله أنه عبادة شرعية مستقلة لم يثبتها الدليل؟
ما الحكم الذي تقتضيه أصول الشريعة في هذا العمل؟
وبهذه الطريقة يكون الحكم مبنيًا على الدليل والقواعد الشرعية، لا على مجرد الاسم
الرابع عشر: البدعة المذمومة هي ما خالف أصول الشريعة
يمكن تلخيص كلام العلماء في قاعدة واضحة
ليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون بدعة محرمة، وإنما البدعة المذمومة هي ما أُحدث في الدين مما لا أصل له في الشريعة أو ما خالف أصولها ونصوصها
وهذا هو المعنى الذي يجمع بين النصوص المختلفة
فلو كان مجرد عدم فعل النبي ﷺ كافيًا للتحريم، للزم تحريم أشياء كثيرة ظهرت بعده، مثل تدوين الكتب في العلوم المختلفة، وإنشاء المدارس والجامعات، وطباعة المصاحف، واستخدام مكبرات الصوت، وغير ذلك من الوسائل التي لم تكن موجودة في عصره ﷺ والعبرة ليست بمجرد الحدوث الزمني، وإنما بحكم الشيء في ميزان الشريعة
الخامس عشر: الفرق بين العبادة والوسيلة
هذه من أهم القواعد لفهم المسألة فالعبادات الأصل فيها التوقيف؛ أي لا يُشرع منها شيء إلا بدليل أما الوسائل والعادات والأمور التنظيمية، فالأصل فيها أوسع، ما لم تخالف نصًا شرعيًا
فعلى سبيل المثال، أصل الصلاة عبادة توقيفية، ولا يجوز للإنسان أن يخترع صلاة جديدة ويجعل لها عدد ركعات ووقتًا وفضائل مخصوصة من عند نفسه
أما استخدام وسيلة حديثة لتعليم الصلاة أو نقل خطبة أو حفظ القرآن، فهذه وسائل وليست عبادات مستقلة ولهذا ينبغي عدم الخلط بين إحداث العبادة وبين إحداث وسيلة تخدم العبادة
السادس عشر: موقف العلماء من المسألة
عند جمع كلام العلماء نجد أن هناك طريقتين مشهورتين في التعبير
الطريقة الأولى: التقسيم
وهي طريقة الإمام عز الدين بن عبد السلام ومن وافقه، حيث قسم البدعة إلى الأحكام الخمسة: واجبة، ومحرمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة
الطريقة الثانية: تخصيص لفظ البدعة الشرعية بالمذموم
وهي طريقة ابن رجب وغيره، حيث يقولون إن ما له أصل في الشريعة لا يسمى بدعة شرعًا، وإن كان جديدًا من الناحية اللغوية
والنتيجة العملية بين الطريقتين متقاربة في أصل مهم الأمر المحدث الذي يخالف الشريعة أو لا أصل له فيها لا يصبح مشروعًا لمجرد تسميته بدعة حسنة، والأمر الذي له أصل شرعي لا يُحكم بتحريمه لمجرد أنه ظهر في صورة جديدة
السابع عشر: أخطاء شائعة في فهم البدعة
من الأخطاء الشائعة أن يقال
«كل شيء لم يفعله النبي ﷺ فهو حرام»
وهذه عبارة تحتاج إلى تفصيل؛ لأن ترك النبي ﷺ للفعل له صور وأسباب مختلفة، وليس كل ترك دليلًا على التحريم
ومن الخطأ أيضًا أن يقال
إذا كانت هناك بدعة حسنة، فيجوز للإنسان أن يخترع أي عبادة يريدها وهذا غير صحيح؛ لأن البدعة الحسنة عند العلماء لا تعني إنشاء تشريع مستقل خارج الشريعة. ومن الخطأ كذلك أن يُطلق وصف «بدعة» على عمل معين دون النظر إلى دليله وأصله وحقيقته، ثم يُبنى على ذلك حكم التحريم
الثامن عشر: كيف نميز بين البدعة المشروعة والبدعة المذمومة؟
يمكن وضع ضابط عملي مختصر إذا كان العمل الجديد
موافقًا للقرآن والسنة
داخلًا تحت أصل شرعي معتبر
محققًا لمقصد من مقاصد الشريعة
لا يتضمن اعتقادًا فاسدًا
ولا يشتمل على عبادة مخترعة بصفة لم يثبتها الشرع
فلا يصح تحريمه لمجرد كونه جديدًا
أما إذا كان العمل
مخالفًا لنص شرعي
أو مشتملًا على اعتقاد لم يثبت
أو جعل عبادة جديدة من الدين بلا دليل
أو خصص عبادة بوقت أو عدد أو هيئة مع اعتقاد المشروعية دون دليل
فهذا يدخل في باب البدعة المذمومة بحسب حقيقة العمل ودليله
الخلاصة
مسألة البدعة الحسنة تحتاج إلى فهم دقيق للمصطلحات والأدلة، ولا يصح اختصارها في عبارة واحدة دون تفصيل
فمن جهة اللغة، البدعة هي الأمر المحدث الجديد
ومن جهة الاصطلاح، اختلف العلماء في التسمية؛ فمنهم من جعل البدعة تشمل الأحكام الخمسة، ومنهم من خص لفظ البدعة الشرعية بما لا أصل له في الشريعة
والذي يجمع كلام العلماء أن ما خالف أصول الإسلام ونصوصه وأُحدث في الدين بلا أصل شرعي فهو من البدع المذمومة، أما ما كان له أصل معتبر في الشريعة، أو كان وسيلة لتحقيق مقصد شرعي ثابت، فلا يحكم عليه بالتحريم لمجرد حدوثه بعد عصر النبوة
ومن هنا يُفهم قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه
«نِعْمَ البدعة هذه»
في صلاة التراويح، كما يُفهم حديث النبي ﷺ
«كل بدعة ضلالة»
فلا تعارض بينهما؛ لأن عمر رضي الله عنه استعمل لفظ البدعة بمعناه اللغوي في أمر له أصل ثابت في السنة، بينما الحديث يحذر من البدع المذمومة التي تُحدث في الدين على خلاف هدي الشريعة
والواجب في هذه المسائل هو الرجوع إلى القرآن والسنة وفهم أئمة العلم، وعدم التسرع في تبديع المسلمين أو تحريم الأعمال بمجرد كونها جديدة، كما لا يجوز في المقابل اختراع عبادات في الدين بلا دليل ثم تسميتها بدعًا حسنة
قال الله تعالى
فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
[النحل: 43]
والله تعالى أعلم
No comments:
Post a Comment