My Blog List

Showing posts with label البدعة الحسنة. Show all posts
Showing posts with label البدعة الحسنة. Show all posts

Sunday, January 24, 2016

هل كل جديد بدعة؟ الفرق بين العبادات والوسائل




البدعة الشرعية والبدعة اللغوية: ما الفرق بينهما؟



البدعة وأثرها في الدراية والرواية


لفضيلة الشيخ الدكتور عائض بن عبد الله القرني



الفصل الأول: تعريف البدعة ونشأتها ودواعيها


أولًا: معنى البدعة في اللغة



قال ابن دريد في مادة بدع



لست ببدع في كذا وكذا، أي لست بأول من أصابه هذا، وهو من قول الله عز وجل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9]

وذكر أن كل من أحدث شيئًا فقد ابتدعه، والاسم: البدعة، والجمع: البدع



وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة



الباء والدال والعين: أصلان، أحدهما: ابتداء الشيء وصنعه، لا عن مثال سابق. والآخر: الانقطاع والكلال

ومن المعنى الأول قولهم: أبدعت الشيء قولًا أو فعلًا، إذا ابتدأته لا عن مثال سابق

قال تعالى  بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117]



وقال ابن منظور



«بدع الشيء يبدعه بدعًا وابتدعه: أنشأه وبدأه»

وقال

«البديع والبدع: الشيء يكون أولًا، وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9]، أي ما كنت أول من أرسل، قد أرسل قبلي رسل كثير»

كما قال والبدعة: الحدث وما ابتدع من الدين بعد الإكمال



وقال ابن السكيت



البدعة: كل محدثة» وقال تعالى ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: 27
]


وفي تاج العروس




«البدعة بالكسر: الحدث في الدين بعد الإكمال»

ومنه الحديث: إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل ضلالة في النار



وقال الفيروزآبادي



البدع بالكسر: الأمر الذي يكون أولًا. والبدعة بالكسر: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الأهواء والأعمال



وقال الرازي في مختار الصحاح



أبدع الشيء: اخترعه لا على مثال سابق، والله بديع السماوات والأرض، أي مبدعها وقال تعالى﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117]



ثانيًا: البدعة في الاصطلاح الشرعي



قال ابن منظور «الحدث، وما ابتدع من الدين بعد الإكمال


ونقل عن ابن السكيت «البدعة: كل محدثة


وقال صاحب القاموس المحيط الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما
 استحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الأهواء

وعرّفها ابن رجب فقال  المراد بالبدعة: ما أُحدث مما لا أصل له
 في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة

وقال ابن حجر هو كل شيء ليس له مثال تقدم، فيشمل لغةً ما
 يحمد ويذم، ويختص في عرف الشرع بما يذم، وإن وردت في المحمود فعلى معناها اللغوي

وقال ابن الأثير البدعة بدعتان: بدعة هدى، و بدعة ضلال؛ فما
 كان في خلاف ما أمر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله، فهو في حيز المدح


وعرّفها الإمام الشاطبي فقال: البدعة: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية


ونُقل عن الإمام الشافعي رحمه الله البدعة بدعتان: بدعة مذمومة، و بدعة محمودة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم ثم فصّل فقال المحدثات من الأمور ضربان


أحدهما: ما أحدث يخالف كتابًا، أو سنة، أو إجماعًا، أو أثرًا، فهذه البدعة والضلال


والثاني: ما أحدث من خير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهي محدثة غير مذمومة


وفصّل ابن تيمية في تعريف البدعة فقال لبدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب

ثم قال : أما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، وعُلم الأمر به بالأدلة الشرعية، فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك، سواء كان هذا مفعولًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يكن




فتوى: ما هي البدعة الحسنة؟



أولًا: فتوى دار الإفتاء المصرية

تاريخ الفتوى: 21 نوفمبر 2011م

رقم القيد: 508 لسنة 2011م

الموضوع: ما البدعة الحسنة؟ وهل هناك بدعة حسنة في الدين؟

:جواب أمانة الفتوى

لمعرفة معنى البدعة ومفهومها الصحيح، لا بد من التعرف إلى معناها في اللغة، وكذلك معناها في الاصطلاح الشرعي

فالبدعة في اللغة هي الحدث وما ابتُدع من الدين بعد الإكمال


قال ابن السكيت: البدعة كل محدثة


وقال أبو عدنان: «المبتدع الذي يأتي أمرًا على شبه لم يكن ابتدأه إياه.» ويقال: فلان بدع في هذا الأمر، أي أول لم يسبقه أحد
قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: 27]


وقال ابن منظور في لسان العرب:  «وأبدع وابتدع وتبدع: أتى ببدعة

ثانيًا: مسلك العلماء في تعريف البدعة للعلماء في تعريف البدعة شرعًا مسلكان رئيسيان



 المسلك الأول: تقسيم البدعة إلى الأحكام الخمسة



وهو مسلك الإمام العز بن عبد السلام، حيث اعتبر أن ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدعة، وقسّمها إلى

بدعة واجبة. بدعة محرمة. بدعة مندوبة .بدعة مكروهة.بدعة مباحة


وقال في قواعد الأحكام في مصالح الأنام


البدعة فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة


ثم بيّن أن معرفة حكمها تكون بعرضها على قواعد الشريعة؛ فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد الندب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد الكراهة فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد الإباحة فهي مباحة


وأكد الإمام ابن حجر العسقلاني هذا المعنى فقال: وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك




 المسلك الثاني: تخصيص البدعة الشرعية بالمذمومة



وهو جعل مفهوم البدعة في الشرع أخص من مفهومها في اللغة، بحيث تكون البدعة الشرعية هي المذمومة فقط

ومن أشهر من قرر هذا المعنى الإمام ابن رجب الحنبلي، حيث قال


المراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة



ثالثًا: موضع الاتفاق بين المسلكين



يتفق المسلكان في حقيقة مهمة، وهي أن البدعة المذمومة شرعًا هي ما لا أصل له في الشريعة يدل عليه وهي المرادة من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:كل بدعة ضلالة وقد كان هذا الفهم حاضرًا عند عدد من أئمة الفقه والعلم



قال الإمام الشافعي رحمه الله



المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه بدعة الضلالة. والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة



وقال الإمام الغزالي



ليس كل ما أُبدع منهيًا عنه، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمرًا من الشرع



ونقل الإمام النووي عن الإمام عز الدين بن عبد السلام



«البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومباحة»



رابعًا: مثال المصافحة بعد الصلاة



قال الإمام النووي في حديثه عن المصافحة عقب الصلاة


واعلم أن هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه، ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة، وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال، وفرطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها، لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها




خامسًا: قول ابن الأثير في البدعة


قال ابن الأثير


البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلال؛ فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب إليه وحض عليه فهو في حيز المدح


ثم ذكر من ذلك قول عمر رضي الله عنه


«نعمت البدعة هذه»


وذلك حين جمع الناس على صلاة التراويح خلف إمام واحد وبيّن أن عمر رضي الله عنه سماها بدعة باعتبار المعنى اللغوي، بينما هي في حقيقتها داخلة في السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح جماعة ثم ترك المداومة عليها خشية أن تفرض



سادسًا: أمثلة البدع بحسب الأحكام التكليفية



ذكر العلماء أمثلة لما يمكن أن يدخل تحت الأحكام الخمسة

1.

البدعة الواجبة


مثل الاشتغال بعلم النحو الذي يُفهم به كلام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لحفظ الشريعة وفهم نصوصها

2.

 البدعة المحرمة


مثل المذاهب والآراء التي تخالف أصول الاعتقاد والشريعة، ومن الأمثلة المذكورة: القدرية والجبرية والمرجئة والخوارج

3.

 البدعة المندوبة


مثل إنشاء المدارس وبناء القناطر، ومن أمثلتها صلاة التراويح جماعة في المسجد بإمام واحد

4. 

البدعة المكروهة


مثل زخرفة المساجد وتزويق المصاحف، على ما ذكره أصحاب هذا التقسيم

5.

 البدعة المباحة


مثل المصافحة عقب الصلوات، والتوسع في بعض أنواع المآكل والمشارب والملابس، مما لا يخالف أصلًا شرعيًا


سابعًا: دليل صلاة التراويح


روى البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال

خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون؛ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط

فقال عمر رضي الله عنه

إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب ثم خرج معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر «نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون وكان الناس يقومون أول الليل



ثامنًا: قول ابن عمر في صلاة الضحى جماعة



روى البخاري ومسلم عن مجاهد قال

دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى  فسألناه عن صلاتهم، فقال «بدعة

وهذا من المواضع التي يُفهم منها أن إطلاق لفظ «البدعة» قد يكون باعتبار المعنى اللغوي، ولا يلزم منه دائمًا الحكم بالتحريم


تاسعًا: خلاصة فتوى دار الإفتاء المصرية


يتضح مما سبق أن هناك مسلكين


المسلك الأول: المسلك الإجمالي، وهو الذي ذهب إليه ابن رجب وغيره، ومفاده أن ما كان له أصل شرعي يدل عليه لا يسمى بدعة شرعًا، وإن كان قد يسمى بدعة من جهة اللغة


المسلك الثاني: المسلك التفصيلي، وهو الذي ذكره الإمام عز الدين بن عبد السلام، حيث قسّم المحدثات إلى الأحكام التكليفية الخمسة بحسب موافقتها لقواعد الشريعة


والقاسم المشترك بين المسلكين هو أن ليس كل محدث في العبادات أو المعاملات منهيًا عنه، بل تنظر المحدثات في ضوء الأدلة والقواعد الشرعية



فتوى دار الإفتاء الأردنية


هل هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة؟


رقم الفتوى: 2615

التاريخ: 06-08-2012م


نوع الفتوى: من موسوعة الفقهاء السابقين

اسم المفتي: سماحة الدكتور نوح علي سلمان رحمه الله



أولًا: تعريف البدعة


جاء في الجواب

«البدعة في اللغة: هي كل أمر جديد لم يكن موجودًا من قبل»

وبيّن أن حديث: «كل بدعة ضلالة»

لا ينبغي أن يحمل على كل جديد بالمعنى اللغوي، لأن الإسلام يحث على تطوير الوسائل التي تخدم مصالح المسلمين وأمور حياتهم

وعليه، فإن المقصود بالبدعة المذمومة في الحديث هو الزيادة في الدين بما يخالف الشرع


ثانيًا: الأحكام الشرعية الخمسة


بيّن الشيخ أن الأحكام الشرعية خمسة


الواجب . المندوب . الحرام . المكروه . المباح


ومن زاد في الدين حكمًا من غير دليل شرعي فقد ابتدع؛ لأن تحديد الثواب والعقاب والحكم الشرعي لا يكون إلا بدليل معتبر



ثالثًا: الفرق بين المقاصد والوسائل


من أهم ما ذكرته الفتوى التفريق بين الوسائل والمقاصد


فالوسيلة الجديدة التي تساعد على تحقيق مقصد شرعي لا تصبح بدعة مذمومة لمجرد أنها لم تكن موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم

ومن أمثلة ذلك


استخدام مكبر الصوت لرفع الأذان ❖

بناء المآذن ❖ 

استخدام الوسائل الحديثة في بناء المساجد ❖

استخدام الأسلحة الحديثة في الجهاد ❖

طباعة الكتب الإسلامية بالوسائل الحديثة ❖

استخدام المسبحة لضبط عدد الأوراد ❖

استخدام الساعة لضبط أوقات الصلاة ❖


فهذه الوسائل لا يُقصد بها إنشاء عبادة جديدة، وإنما يُقصد بها خدمة أمر مشروع وتحقيق مقصد شرعي


رابعًا: مثال مكبر الصوت


ذكرت الفتوى أن استخدام مكبر الصوت في الأذان ليس بدعة شرعية؛ لأن المقصود منه إيصال صوت المؤذن إلى عدد أكبر من المسلمين

فالمستخدم لا يقول إن مكبر الصوت فرض أو سنة، ولا يقول إن تركه حرام أو مكروه، وإنما هو وسيلة لتحقيق مقصد مشروع


خامسًا: خطأ الخلط بين المعنى اللغوي والشرعي


جاء في الفتوى التحذير من الخلط بين البدعة بالمعنى اللغوي والبدعة بالمعنى الشرعي

فمجرد كون الشيء جديدًا لا يعني أنه بدعة محرمة

وقد يؤدي الخلط بين المفهومين إلى تحريم وسائل نافعة لا علاقة لها بإحداث حكم شرعي جديد

والقاعدة التي تؤكد عليها الفتوى هي ضرورة التفريق بين الوسائل التي تتطور وتتغير بحسب الزمان والحاجة،والمقاصد والأحكام الشرعية التي لا يجوز تغييرها أو الزيادة فيها بغير دليل


سادسًا: خلاصة فتوى الشيخ نوح علي سلمان خلصت الفتوى إلى أن


البدعة بالمعنى الشرعي، أي الزيادة في الدين ومصادمة أحكام الشرع، كلها ضلالة وليس فيها حسنة


أما البدعة بالمعنى اللغوي، والتي تشمل الوسائل والآلات والمخترعات والأشياء الجديدة، فقد تكون حسنة إذا أريد بها الخير ووافقت مقاصد الشريعة، وقد تكون سيئة إذا خالفت الشريعة وصادمت مقاصدها


الخلاصة العامة



البدعة في اللغة تعني الشيء المحدث الذي لم يكن له مثال سابق


أما الوسائل الجديدة التي تخدم مقاصد الشريعة، فلا يلزم أن تكون من البدع المذمومة لمجرد كونها جديدة


من أمثلة الوسائل الحديثة: مكبرات الصوت، والطباعة، والساعات، ووسائل البناء وغيرها


قول عمر رضي الله عنه: «نعمت البدعة هذه» استُدل به على استعمال لفظ البدعة بالمعنى اللغوي في أمر محمود


لذلك ينبغي التفريق بين البدعة اللغوية والبدعة الشرعية عند قراءة كلام العلماء


المصادر والمراجع المذكورة في النص


جمهرة اللغة — ابن دريد ❖

معجم مقاييس اللغة — ابن فارس ❖

تاج العروس — الزبيدي ❖

لسان العرب — ابن منظور ❖

القاموس المحيط — الفيروزآبادي ❖

مختار الصحاح — الرازي ❖

جامع العلوم والحكم — ابن رجب الحنبلي ❖

فتح الباري — ابن حجر العسقلاني ❖

النهاية في غريب الحديث والأثر — ابن الأثير ❖

الاعتصام — الإمام الشاطبي ❖

مجموع الفتاوى — ابن تيمية ❖

قواعد الأحكام في مصالح الأنام — عز الدين بن عبد السلام❖

إحياء علوم الدين — أبو حامد الغزالي ❖

الأذكار — الإمام النووي ❖

فتاوى الشيخ نوح علي سلمان — فتوى العقيدة، رقم 17 ❖







Monday, January 19, 2015

هل كل ما لم يفعله النبي بدعة؟ مفهوم البدعة


«نعمت البدعة هذه» و«كل بدعة ضلالة»: كيف
 نفهم الحديثين؟


البدعة الحسنة في الإسلام: مفهومها وأقسامها وأدلتها



تُعدّ مسألة البدعة من المسائل التي كثر فيها النقاش، وخصوصًا عند الحديث عن قول النبي ﷺ: «كل بدعة ضلالة»، وقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح: «نِعْمَتِ البدعةُ هذه»

ولفهم هذه المسألة فهمًا صحيحًا، لا بد من التمييز بين معنى البدعة في اللغة ومعناها في الاصطلاح الشرعي، ومعرفة طريقة العلماء في التعامل مع الأمور التي ظهرت بعد عهد النبي ﷺ، وهل كل أمر جديد يُعدّ بدعة محرمة، أم أن الأمور المحدثة منها ما يكون محمودًا ومنها ما يكون مذمومًا؟

وقد اختلف العلماء في طريقة التعبير عن ذلك، لكن عند التأمل في كلام أئمة الفقه والحديث يتبين أن الخلاف في جانب كبير منه خلاف اصطلاحي في تسمية الأشياء، وليس خلافًا في أصل تحريم ما يخالف الشريعة


أولًا: معنى البدعة في اللغة


البدعة في اللغة مأخوذة من مادة «ب د ع»، وهي تدل على إنشاء الشيء وإحداثه على غير مثال سابق


قال الله تعالى


بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

[البقرة: 117]

وقال سبحانه

وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ

[الحديد: 27]


قال ابن منظور في لسان العرب إن البدعة هي الأمر المحدث، وأن أكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم

ومن هذا المعنى اللغوي يتضح أن كلمة بدعة في أصل اللغة تعني شيئًا جديدًا مُحدثًا، ولا يلزم من مجرد كونه جديدًا أن يكون حرامًا



ثانيًا: معنى البدعة في الاصطلاح الشرعي


اختلف العلماء في تعريف البدعة شرعًا، ويمكن إجمال اتجاهاتهم في مسلكين مشهورين


1. المسلك الذي يجعل البدعة أعم من المذموم


ذهب عدد من العلماء، ومن أبرزهم الإمام عز الدين بن عبد السلام، إلى أن البدعة تشمل كل أمر لم يكن موجودًا على الصورة المعروفة في عهد رسول الله ﷺ، ثم تُعرض هذه الأمور على قواعد الشريعة


قال الإمام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله


«البدعة فعل ما لم يُعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة


ثم بيّن أن معرفة حكم البدعة تكون بعرضها على قواعد الشريعة


فإن دخلت في قواعد الواجب فهي واجبة

وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة

وإن دخلت في قواعد الندب فهي مندوبة

وإن دخلت في قواعد الكراهة فهي مكروهة

وإن دخلت في قواعد الإباحة فهي مباحة


وهذا التقسيم ذكره أيضًا الإمام النووي رحمه الله ناقلًا عن عز الدين بن عبد السلام في الأذكار


ثالثًا: المسلك الآخر في تعريف البدعة


ذهب علماء آخرون إلى أن لفظ البدعة إذا استُعمل شرعًا فإنه ينصرف إلى البدعة المذمومة، أما الأمور الجديدة التي لها أصل في الشريعة فلا يسمونها بدعة شرعية، وإن كانت بدعة من الناحية اللغوية


ومن أشهر من قرر هذا المعنى الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، فقال


«المراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة


وهذا التفريق مهم جدًا؛ لأن كثيرًا من الخلاف في هذه المسألة سببه استعمال كلمة «بدعة» بمعنيين مختلفين



فقد يقول عالم: هذا الأمر بدعة باعتبار المعنى اللغوي، ثم يقول إنه جائز أو مستحب باعتبار الحكم الشرعي


بينما قد لا يسميه عالم آخر بدعة أصلًا؛ لأنه يقصر لفظ البدعة الشرعية على ما لا أصل له في الدين


رابعًا: هل كل شيء جديد في الدين يكون حرامًا؟



ليس كل أمر جديد يُحكم عليه بالتحريم لمجرد أنه لم يكن موجودًا في عهد النبي ﷺ

والضابط المهم هو


هل لهذا الأمر أصل معتبر في الشريعة أم لا؟


فإن كان الأمر الجديد مخالفًا للقرآن أو السنة أو الإجماع أو قواعد الشريعة، أو أُدخل في الدين على أنه عبادة مستقلة بلا دليل، فهو من البدع المذمومة


أما إذا كان الأمر الجديد وسيلة أو تنظيمًا أو صورة جديدة لتحقيق مقصد مشروع ثبت أصله في الشريعة، فلا يلزم أن يكون محرّمًا


وهنا تظهر أهمية التفريق بين العبادة المقصودة لذاتها
وبين لاوسائل والتنظيمات التي تخدم عبادة مشروعة


خامسًا: حديث «كل بدعة ضلالة»


ثبت عن النبي ﷺ أنه قال

«وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»


رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة

وهذا الحديث أصل عظيم في التحذير من إحداث ما لا أصل له في الدين


لكن فهم الحديث يحتاج إلى جمعه مع بقية النصوص وكلام العلماء في معنى البدعة


فليس المقصود أن كل أمر جديد في حياة المسلمين، سواء في أمور الدين أو الدنيا، أصبح بمجرد حدوثه ضلالة

فالناس استحدثوا عبر القرون وسائل كثيرة لخدمة العلم والدين، مثل تصنيف الكتب، وإنشاء المدارس، ووضع علوم اللغة، وجمع علوم الحديث في المصنفات، وإنشاء المكتبات، وغير ذلك


والمقصود بالذم هو الإحداث في الدين بما لا أصل له في الشريعة


سادسًا: قول الإمام الشافعي في المحدثات


من أقوى ما نُقل عن علماء الأمة في هذه المسألة كلام الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله قال

«المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أُحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما أُحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذموم

نقله أبو نعيم في حلية الأولياء، والبيهقي في مناقب الشافعي

وهذا النص يوضح أن مجرد حدوث الشيء بعد عصر النبي ﷺ لا يكفي للحكم عليه بالضلالة، بل لا بد من النظر في موافقته أو مخالفته لأصول الشريعة


سابعًا: كلام الإمام الغزالي


وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين

ليس كل ما أُبدع منهيًا عنه، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمرًا من الشرع

وهذا يقرر قاعدة مهمة، وهي أن البدعة المذمومة ليست مجرد أمر لم يكن موجودًا في زمن النبي ﷺ، وإنما هي ما يُحدث بطريقة تعارض أصلًا شرعيًا ثابتًا


ثامنًا: صلاة التراويح وقول عمر «نعمت البدعة هذه


من أشهر الأدلة التي يُستدل بها على استعمال كلمة البدعة في معنى أوسع من البدعة المذمومة ما وقع في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه

روى عبد الرحمن بن عبد القاري رحمه الله، وهو تابعي، أنه خرج مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ليلة من ليالي رمضان إلى المسجد، فرأى الناس يصلون أوزاعًا متفرقين؛ يصلي الرجل وحده، ويصلي الرجل فيصلّي بصلاته جماعة

فقال عمر رضي الله عنه

«إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل»

فجمعهم على أُبي بن كعب رضي الله عنه ثم خرج عمر رضي الله عنه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال

«نِعْمَ البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون»


رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب صلاة التراويح


وهنا ينبغي الانتباه إلى أن صلاة التراويح نفسها ليست عبادة اخترعها عمر رضي الله عنه؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ صلى بأصحابه قيام رمضان جماعة، ثم ترك الاجتماع بهم خشية أن تُفرض عليهم


فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال

«مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»

رواه البخاري ومسلم


وثبت أن النبي ﷺ صلى بأصحابه ليالي من رمضان، ثم ترك الخروج إليهم، وقال إنه خشي أن تُفرض عليهم


وعليه، فإن عمر رضي الله عنه لم ينشئ عبادة جديدة من أصلها، وإنما جمع الناس على إمام واحد بعد وفاة النبي ﷺ وانقطاع الوحي وزوال خشية فرضها عليهم


ولهذا قال العلماء إن قول عمر «نعمت البدعة» محمول على البدعة بالمعنى اللغوي، أو على الأمر المحدث من حيث الصورة والتنظيم، لا على البدعة الشرعية المذمومة


تاسعًا: قول ابن عمر «بدعة» في صلاة الضحى جماعة


ومن الأدلة المهمة أيضًا ما رواه مجاهد بن جبر رحمه الله، قال

دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، فسألناه عن صلاتهم، فقال: «بدعة»


رواه البخاري ومسلم


وهذا الأثر يبين أن لفظ «بدعة» كان قد يُستعمل عند السلف في وصف صورة من صور العبادة لم تكن معروفة على ذلك الوجه، دون أن يعني ذلك بالضرورة الحكم على أصل العبادة كلها بأنها محرمة

فصلاة الضحى نفسها ثابتة في السنة، وإنما الكلام في الاجتماع عليها بتلك الصورة

وهذا يؤكد أهمية معرفة المقصود من كلمة «بدعة» في كلام العلماء والسلف


عاشرًا: البدعة الحسنة عند العلماء


بناءً على كلام عدد من أئمة العلم، فإن الأمور المحدثة يمكن أن تكون لها أحكام مختلفة بحسب علاقتها بأصول الشريعة


1. البدعة الواجبة


ومن أمثلتها ما ذكره العلماء من العلوم والوسائل التي لا يمكن حفظ الشريعة وفهمها إلا بها

ومن ذلك علم النحو، إذا كان تعلمه وسيلة ضرورية لفهم القرآن والسنة وصيانة اللسان من الخطأ والقاعدة الأصولية هنا ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

فإذا توقف حفظ أمر واجب على وسيلة مستحدثة، أخذت الوسيلة حكم ما تؤدي إليه بحسب الضوابط الشرعية


2. البدعة المندوبة


ومن أمثلتها عند من يستعمل تقسيم البدع

إنشاء المدارس الشرعية

جمع الناس على بعض صور التعليم والتنظيم

بناء المؤسسات التي تخدم العلم والدين

بعض الوسائل الجديدة التي تحقق مقصدًا شرعيًا مشروعًا

فهذه الأمور لم تكن موجودة بصورتها الحالية في عهد النبي ﷺ، لكنها تخدم مقاصد شرعية ثابتة


3. البدعة المباحة


وهي الأمور المستحدثة التي لا تتعارض مع الشرع ولا تتعلق باعتقاد أنها عبادة مستقلة

ومن أمثلتها ما ذكره العلماء من بعض العادات والوسائل، مثل التوسع في أنواع المأكل والملبس المباحة، ونحو ذلك


4. البدعة المكروهة


ومن الأمثلة التي ذكرها بعض العلماء المبالغة في زخرفة المساجد أو زخرفة المصاحف، إذا أدت إلى أمر مكروه أو شغلت عن المقصود والحكم هنا لا يكون لمجرد كونها جديدة، وإنما لما يترتب عليها من معنى شرعي


5. البدعة المحرمة


وهي أهم أنواع البدع وأخطرها، وهي إحداث أمر في الدين لا أصل له في الشريعة أو اعتقاد عبادة لم يشرعها الله تعالى ورسوله ﷺ ومن أمثلتها الاعتقادات والعبادات التي تخالف نصوص القرآن والسنة أو أصول الشريعة

وهذا هو النوع الذي يدخل في التحذير الوارد في حديث

«كل بدعة ضلالة»


الحادي عشر: حديث «من سن في الإسلام سنة حسنة»


ومن الأدلة التي ينبغي فهمها في هذا الباب حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ


«مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ


رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة


وقد جاء الحديث في سياق حث النبي ﷺ على الصدقة عندما جاء قوم محتاجون، فبادر رجل من الصحابة بالصدقة، فاقتدى به الناس ولهذا فإن معنى «سن سنة حسنة» ليس اختراع عبادة لم يشرعها الله، وإنما المبادرة إلى عمل مشروع وإحياء طريق من الخير والاقتداء به

وهذا ينسجم مع حديث النبي ﷺ


«مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»


رواه مسلم عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه


الثاني عشر: السنة الحسنة ليست تشريعًا جديدًا


من المهم جدًا ألا يُفهم حديث «من سن في الإسلام سنة حسنة» على أن الإنسان يستطيع أن يشرع عبادة من عند نفسه فالتشريع حق لله تعالى، وقد قال سبحانه


أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ


[الشورى: 21]


فلا يجوز لأحد أن يقول: هذه العبادة واجبة أو هذه العبادة سنة شرعية ثابتة لمجرد أنها أعجبته ولكن يجوز أن تظهر وسيلة جديدة لتحقيق عبادة أو مقصد شرعي ثابت، ما دامت الوسيلة نفسها لا تخالف الشرع. وهنا يظهر الفرق بين


إحداث عبادة جديدة بلا دليل

وبين

إحداث وسيلة أو تنظيم جديد لتحقيق عبادة ثبت أصلها بالدليل



الثالث عشر: هل تسمية الشيء «بدعة» تعني أنه حرام؟


لا يصح أن يُبنى الحكم بالتحريم على مجرد استعمال كلمة بدعة
فقد يستعمل العالم كلمة بدعة بمعناها اللغوي، بينما يقصد أنها أمر محدث، ثم يحكم عليه بالإباحة أو الاستحباب


ومن هنا قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله


وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا ومنها ما يكون بخلاف ذلك


فتح الباري شرح صحيح البخاري


ولهذا يجب قبل الحكم على أي عمل أن تُطرح أسئلة مهمة


هل هو عبادة مقصودة لذاتها أم وسيلة؟


هل له أصل في القرآن أو السنة؟


هل يدخل تحت قاعدة شرعية عامة؟


هل يخالف نصًا صحيحًا؟


هل يعتقد فاعله أنه عبادة شرعية مستقلة لم يثبتها الدليل؟


ما الحكم الذي تقتضيه أصول الشريعة في هذا العمل؟


وبهذه الطريقة يكون الحكم مبنيًا على الدليل والقواعد الشرعية، لا على مجرد الاسم


الرابع عشر: البدعة المذمومة هي ما خالف أصول الشريعة


يمكن تلخيص كلام العلماء في قاعدة واضحة


ليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون بدعة محرمة، وإنما البدعة المذمومة هي ما أُحدث في الدين مما لا أصل له في الشريعة أو ما خالف أصولها ونصوصها

وهذا هو المعنى الذي يجمع بين النصوص المختلفة

فلو كان مجرد عدم فعل النبي ﷺ كافيًا للتحريم، للزم تحريم أشياء كثيرة ظهرت بعده، مثل تدوين الكتب في العلوم المختلفة، وإنشاء المدارس والجامعات، وطباعة المصاحف، واستخدام مكبرات الصوت، وغير ذلك من الوسائل التي لم تكن موجودة في عصره ﷺ والعبرة ليست بمجرد الحدوث الزمني، وإنما بحكم الشيء في ميزان الشريعة


الخامس عشر: الفرق بين العبادة والوسيلة


هذه من أهم القواعد لفهم المسألة فالعبادات الأصل فيها التوقيف؛ أي لا يُشرع منها شيء إلا بدليل أما الوسائل والعادات والأمور التنظيمية، فالأصل فيها أوسع، ما لم تخالف نصًا شرعيًا
فعلى سبيل المثال، أصل الصلاة عبادة توقيفية، ولا يجوز للإنسان أن يخترع صلاة جديدة ويجعل لها عدد ركعات ووقتًا وفضائل مخصوصة من عند نفسه

أما استخدام وسيلة حديثة لتعليم الصلاة أو نقل خطبة أو حفظ القرآن، فهذه وسائل وليست عبادات مستقلة ولهذا ينبغي عدم الخلط بين إحداث العبادة وبين إحداث وسيلة تخدم العبادة


السادس عشر: موقف العلماء من المسألة


عند جمع كلام العلماء نجد أن هناك طريقتين مشهورتين في التعبير


الطريقة الأولى: التقسيم


وهي طريقة الإمام عز الدين بن عبد السلام ومن وافقه، حيث قسم البدعة إلى الأحكام الخمسة: واجبة، ومحرمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة



الطريقة الثانية: تخصيص لفظ البدعة الشرعية بالمذموم


وهي طريقة ابن رجب وغيره، حيث يقولون إن ما له أصل في الشريعة لا يسمى بدعة شرعًا، وإن كان جديدًا من الناحية اللغوية
والنتيجة العملية بين الطريقتين متقاربة في أصل مهم الأمر المحدث الذي يخالف الشريعة أو لا أصل له فيها لا يصبح مشروعًا لمجرد تسميته بدعة حسنة، والأمر الذي له أصل شرعي لا يُحكم بتحريمه لمجرد أنه ظهر في صورة جديدة


السابع عشر: أخطاء شائعة في فهم البدعة


من الأخطاء الشائعة أن يقال


«كل شيء لم يفعله النبي ﷺ فهو حرام»


وهذه عبارة تحتاج إلى تفصيل؛ لأن ترك النبي ﷺ للفعل له صور وأسباب مختلفة، وليس كل ترك دليلًا على التحريم


ومن الخطأ أيضًا أن يقال


إذا كانت هناك بدعة حسنة، فيجوز للإنسان أن يخترع أي عبادة يريدها وهذا غير صحيح؛ لأن البدعة الحسنة عند العلماء لا تعني إنشاء تشريع مستقل خارج الشريعة. ومن الخطأ كذلك أن يُطلق وصف «بدعة» على عمل معين دون النظر إلى دليله وأصله وحقيقته، ثم يُبنى على ذلك حكم التحريم


الثامن عشر: كيف نميز بين البدعة المشروعة والبدعة المذمومة؟


يمكن وضع ضابط عملي مختصر إذا كان العمل الجديد


موافقًا للقرآن والسنة

داخلًا تحت أصل شرعي معتبر

محققًا لمقصد من مقاصد الشريعة

لا يتضمن اعتقادًا فاسدًا

ولا يشتمل على عبادة مخترعة بصفة لم يثبتها الشرع

فلا يصح تحريمه لمجرد كونه جديدًا


أما إذا كان العمل


مخالفًا لنص شرعي

أو مشتملًا على اعتقاد لم يثبت

أو جعل عبادة جديدة من الدين بلا دليل

أو خصص عبادة بوقت أو عدد أو هيئة مع اعتقاد المشروعية دون دليل

فهذا يدخل في باب البدعة المذمومة بحسب حقيقة العمل ودليله


الخلاصة


مسألة البدعة الحسنة تحتاج إلى فهم دقيق للمصطلحات والأدلة، ولا يصح اختصارها في عبارة واحدة دون تفصيل

فمن جهة اللغة، البدعة هي الأمر المحدث الجديد

ومن جهة الاصطلاح، اختلف العلماء في التسمية؛ فمنهم من جعل البدعة تشمل الأحكام الخمسة، ومنهم من خص لفظ البدعة الشرعية بما لا أصل له في الشريعة

والذي يجمع كلام العلماء أن ما خالف أصول الإسلام ونصوصه وأُحدث في الدين بلا أصل شرعي فهو من البدع المذمومة، أما ما كان له أصل معتبر في الشريعة، أو كان وسيلة لتحقيق مقصد شرعي ثابت، فلا يحكم عليه بالتحريم لمجرد حدوثه بعد عصر النبوة

ومن هنا يُفهم قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه


«نِعْمَ البدعة هذه»


في صلاة التراويح، كما يُفهم حديث النبي ﷺ


«كل بدعة ضلالة»


فلا تعارض بينهما؛ لأن عمر رضي الله عنه استعمل لفظ البدعة بمعناه اللغوي في أمر له أصل ثابت في السنة، بينما الحديث يحذر من البدع المذمومة التي تُحدث في الدين على خلاف هدي الشريعة

والواجب في هذه المسائل هو الرجوع إلى القرآن والسنة وفهم أئمة العلم، وعدم التسرع في تبديع المسلمين أو تحريم الأعمال بمجرد كونها جديدة، كما لا يجوز في المقابل اختراع عبادات في الدين بلا دليل ثم تسميتها بدعًا حسنة

قال الله تعالى


فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

[النحل: 43]


والله تعالى أعلم