My Blog List

Thursday, April 09, 2015

خطاب خاص لمن أراد الحق والإنصاف في جماعة الدعوة والتبليغ




 

كلمة لمن أراد الحق والعدل في الحكم على جماعة الدعوة والتبليغ

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

فإن الحديث عن جماعة الدعوة والتبليغ كثر في زماننا، وتنوعت فيه الأحكام والآراء، حتى صار بعض الناس يحكم عليها من خلال موقف فرد، أو قصة لم تثبت، أو خطأ صدر من أحد أفرادها، أو كلام منقول عن عالم دون معرفة سياقه وتاريخه وتفصيله.

 

والإنصاف يقتضي أن نتوقف عن المبالغة في المدح كما نتوقف عن الظلم في الذم، وأن نزن الأمور بميزان العلم والعدل، قال الله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].

 

ولذلك فهذه الكلمة ليست دعوة إلى تقديس جماعة أو جعلها فوق النقد، وإنما هي دعوة إلى الإنصاف: نذكر الخير خيرًا، والخطأ خطأ، ولا نجعل أخطاء بعض الأفراد حجة على كل العاملين في الدعوة.

 

أولًا: أصل الدعوة إلى الله ليس موضع نزاع

 

الدعوة إلى الله تعالى من أجلِّ الأعمال، وقد أمر الله بها صراحة فقال:

 

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

 

والنبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس بالحكمة والصبر والرحمة، ولم يكن طريقه إلى إصلاح الناس قائمًا على التنفير والإهانة، بل قال:

 

«يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا».

 

وهو حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم.

 

ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من تجربة جماعة الدعوة والتبليغ: فقد ركزت بصورة كبيرة على إخراج المسلم من الغفلة إلى المسجد، ومن الانشغال بالدنيا إلى ذكر الله، ومن ترك الصلاة إلى المحافظة عليها، ومن ضعف الصلة بالدين إلى محبة الإيمان والعمل الصالح.

 

وهذا في أصله مقصد مشروع وعظيم.

 

ثانيًا: هل جماعة التبليغ لا تهتم بالتوحيد؟

 

هذا من أشهر الاعتراضات التي تُطرح، لكن الحكم يحتاج إلى تفصيل.

 

لا يصح أن يقال إن كل فرد من أفراد الجماعة لا يهتم بالتوحيد، كما لا يصح أن يقال إن كل فرد فيها بلغ الغاية في العلم بالعقيدة.

 

والصواب أن الجماعة اشتهرت بالتركيز على الإيمان، والصلاة، والذكر، والأخلاق، والدعوة، وإصلاح النفس، بينما يرى عدد من العلماء أن أفرادها يحتاجون إلى مزيد من العلم بالعقيدة والفقه، وأن من يخرج معهم ينبغي أن يكون عنده من العلم والبصيرة ما يعينه على تصحيح الأخطاء.

 

وهذا التفصيل موجود بوضوح في كلام الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله؛ فقد وصفهم بالنشاط في العمل، وذكر حاجتهم إلى المزيد من العلم والبصيرة في مسائل العقيدة، ونص على أهمية أن يرافقهم من لديه علم ليعلّم ويوجّه وينصح.

 

وهذا يختلف تمامًا عن القول: «هذه جماعة لا تدعو إلى التوحيد».

 

فالفرق كبير بين أن تقول:

 

عندهم نقص في تناول بعض مسائل العقيدة ويحتاجون إلى العلماء

 

وبين أن تقول:

 

لا يهتمون بالتوحيد أصلًا.

 

الأول يمكن أن يكون نقدًا علميًا منصفًا، أما الثاني فهو تعميم يحتاج إلى دليل.

 

ثالثًا: وماذا عن القول إن أحدًا لم يهتد على أيديهم؟

 

من الخطأ جعل عدد من اهتدى على يد جماعة معينة هو المعيار الوحيد للحكم عليها، كما أنه من الخطأ إنكار آثار الدعوة الواقعية لمجرد عدم وجود إحصائية شاملة.

 

وقد نقل عن الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله كلام واضح في هذه المسألة؛ فقد ذكر أن للجماعة تأثيرًا بالغًا في هداية الناس، وأن كثيرًا من الناس استقاموا على أيديهم، بل ذكر إسلام بعض الكفار على أيديهم، وأثنى على لينهم وإيثارهم وأخلاقهم، مع تنبيهه في الوقت نفسه على وجود أمور تحتاج إلى إصلاح.

 

وهذه الشهادة مهمة؛ لأنها تُظهر أن الصورة ليست سوداء أو بيضاء.

 

فقد يكون عند جماعة ما نقص علمي في بعض الجوانب، ومع ذلك يكون لها أثر عظيم في إحياء الصلاة والتوبة والذكر والدعوة.

 

كما أن وجود أخطاء عندها لا يعني أن كل ما عندها باطل.

 

رابعًا: هل النقد العلمي يعني إسقاط الجماعة كلها؟

 

ليس بالضرورة.

 

وهنا يظهر معنى مهم في كلام الشيخ ابن باز رحمه الله، فقد سُئل عن المشاركة مع جماعات الدعوة، فأجاب بمنهج دقيق:

 

«فلا تكن معهم مطلقًا، ولا عليهم مطلقًا، بل معهم في الخير، وعليهم فيما أخطأوا فيه حتى يهتدوا ويلتزموا

 

وهذا من أعدل المناهج في التعامل مع الجماعات والأفراد.

 

فالإنسان لا يقول:

 

كل ما عندهم صحيح.

 

ولا يقول:

 

كل ما عندهم باطل.

 

بل يقول:

 

أشارك في الخير، وأنصح في الخطأ، وأتعلم من أهل العلم، ولا أتعصب لأحد.

 

وهذا هو الإنصاف.

 

خامسًا: الخروج ثلاثة أيام وأربعين يومًا وأربعة أشهر

 

من أكثر المسائل التي أُثير حولها الكلام: تحديد مدد الخروج.

 

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:

 

الأول: أن تكون المدة وسيلة تنظيمية

 

فقد يحتاج العمل الجماعي إلى ترتيب للوقت، وتوزيع للجهود، وتدريب للداعية على التضحية والصبر ومخالطة الناس.

 

الثاني: أن يعتقد الإنسان أن هذه الأرقام عبادة محددة شرعًا

 

وهذا يحتاج إلى دليل شرعي، ولا ينبغي أن تُجعل المدة المحددة بمنزلة فرض شرعي على كل مسلم.

 

ولهذا فالأصح أن يقال:

 

المدد المعروفة في العمل التبليغي ينبغي فهمها باعتبارها وسائل تنظيمية وتربوية، لا باعتبارها فرائض شرعية لازمة لكل مسلم.

 

ومن هنا يزول جزء كبير من الإشكال.

 

فالخروج نفسه ليس عبادة مستقلة لها عدد شرعي ثابت يجب على كل مسلم التزامه، وإنما الدعوة إلى الله عبادة، والسفر والتفرغ والتوقيت وسائل لتحقيقها.

 

والوسائل قد تختلف باختلاف الزمان والمكان والقدرة والمصلحة.

 

سادسًا: هل التبليغيون ضد طلب العلم؟

 

هذه أيضًا عبارة تحتاج إلى تصحيح.

 

لا شك أن بعض أفراد الجماعة قد يكونون قليلي العلم، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع كبير؛ فالجماعة ليست جامعة شرعية، ولا كل من ينتسب إليها طالب علم.

 

لكن القول بأن منهجها قائم على تحريم العلم أو منع الناس منه تعميم غير منصف.

 

بل إن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله انتقد عليهم قلة العلم والحاجة إلى طلبة العلم الذين يخرجون معهم ويوجهونهم، لكنه في الوقت نفسه ذكر محاسن دعوتهم وتأثيرها في الناس، وقال إن من كان قادرًا على التفرغ لطلب العلم فطلب العلم في حقه أفضل من الخروج للدعوة، أما من لم يكن طالب علم وأراد الخروج لإصلاح نفسه وتليين قلبه فلا حرج عليه.

 

إذن المشكلة ليست:

 

الدعوة أم العلم؟

 

بل الصحيح:

 

الدعوة مع العلم، والعمل مع الفقه، والحماس مع البصيرة.

 

وهذا هو التكامل المطلوب.

 

سابعًا: الإيمان قبل العلم أم العلم قبل الإيمان؟

 

من الأخطاء أن تُفهم هذه المسألة على أنها دعوة إلى ترك العلم.

 

فالمقصود أن العلم ينبغي أن يكون علمًا يورث الإيمان والخشية والعمل.

 

وقد ورد عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه:

 

«كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا».

 

وقد صححه الألباني في صحيح ابن ماجه.

 

فالقرآن والعلم والإيمان ليست خصومًا.

 

بل المطلوب أن:

 

يزداد العلم إيمانًا، ويزداد الإيمان علمًا، ويظهر الاثنان في العمل والأخلاق.

 

وهنا يمكن فهم اهتمام الدعوة والتبليغ بإحياء الإيمان في القلوب.

 

ثامنًا: ماذا عن وجود الصوفي أو القبوري أو العاصي داخل الجماعة؟

 

هذا الاعتراض يحتاج إلى فهم طبيعة العمل الدعوي.

 

إذا دخل شخص إلى المسجد وهو تارك للصلاة، أو مبتعد عن الدين، أو مبتلى بالمعاصي، فهل وجوده في جماعة دعوية يعني أن الجماعة تتبنى كل ما كان عليه قبل دخوله؟

 

بالطبع لا.

 

المستشفى لا يُلام لأن فيه مرضى.

 

بل وجود المريض فيه هو سبب وجود المستشفى أصلًا.

 

وهكذا يمكن النظر إلى جانب من عمل الدعوة:

 

الداعية لا ينتظر أن يأتيه الإنسان كاملًا، وإنما يذهب إليه وهو بعيد، ثم يحاول أن يقرّبه من الله.

 

ومن هنا قد يجتمع في مجلس واحد إنسان صالح، وآخر مبتدئ في الالتزام، وثالث كثير المعاصي، ورابع حديث عهد بالإسلام.

 

ولا يصح أن تُنسب عقائدهم وأحوالهم السابقة إلى المنهج لمجرد أنهم جلسوا مع الدعاة.

 

لكن في المقابل، إذا وقع خطأ عقدي أو فقهي واضح، فالواجب تصحيحه بالعلم والحكمة.

 

تاسعًا: هل وجود أخطاء عند بعض الأفراد دليل على فساد المنهج؟

 

لا.

 

فلو أخطأ داعية في بيته، فلا نقول إن الدعوة إلى الله فاسدة.

 

ولو قصّر أحد العاملين في تربية أولاده، فلا نقول إن الإسلام لا يأمر بتربية الأسرة.

 

ولو أخطأ طالب علم، فلا نقول إن العلم الشرعي هو سبب الخطأ.

 

وهذا أصل مهم جدًا:

 

لا تُحاكم الفكرة الصحيحة بكل خطأ صدر من أحد المنتسبين إليها.

 

وفي الوقت نفسه لا يجوز استعمال هذه القاعدة لتغطية الأخطاء المتكررة أو الأخطاء المنهجية.

 

فالميزان هو:

 

نصحٌ، وتصحيحٌ، وتعلمٌ، ومراجعةٌ، وعدم تعصب.

 

عاشرًا: وماذا عن إهمال الأهل بسبب الخروج؟

 

هذه ملاحظة مهمة، ولا ينبغي تجاهلها.

 

فالزوج مسؤول عن أهله، والأب مسؤول عن أولاده، والقيام بحقوق الأسرة من الواجبات.

 

وقد سُئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن رجل يخرج مع جماعة التبليغ وأولاده لا يصلون، فأكد أن عليه أن يجاهد في إصلاح أولاده ولا يترك من تحت يده.

 

إذن:

 

الدعوة إلى الناس لا تعني إهمال من أوجب الله عليك رعايتهم.

 

بل يبدأ الإنسان بمن تحت يده، ثم يتوسع في الدعوة بحسب قدرته وظروفه.

 

والخروج الذي يؤدي إلى تضييع واجب شرعي ليس خروجًا محمودًا.

 

الحادي عشر: هل العلماء أجمعوا على موقف واحد من الجماعة؟

 

لا.

 

ومن الإنصاف الاعتراف بأن العلماء اختلفوا في تقويم جماعة التبليغ، كما اختلفوا في بعض تفاصيل طريقة العمل والخروج والكتب وبعض الممارسات.

 

ولهذا لا يصح أن ينسب إلى «العلماء» رأي واحد دون تفصيل.

 

فالشيخ ابن باز رحمه الله انتقد نقص البصيرة في مسائل العقيدة، لكنه أثبت لهم النشاط في الدعوة والخير، ودعا إلى التعاون معهم في الخير مع توجيههم وتصحيح أخطائهم.

 

والشيخ ابن عثيمين رحمه الله ذكر وجود الجهل والحاجة إلى العلم، لكنه في الوقت نفسه صرّح بتأثيرهم في هداية الناس، وأثنى على لينهم وإيثارهم وأخلاقهم، ولم يكن منهجه التشديد المطلق في التحذير منهم.

 

فمن الخطأ أن نقتطع جملة من عالم ثم نجعلها الحكم الوحيد على الجماعة، ونترك بقية كلامه.

 

الثاني عشر: ماذا عن المساجد التي توجد فيها قبور؟

 

هذه مسألة شرعية مستقلة، ولا ينبغي تحويلها إلى معركة حول جماعة كاملة.

 

وقد نبّه الشيخ ابن باز رحمه الله إلى هذه المسألة صراحة، وذكر أن جماعة التبليغ تحتاج إلى من عنده بصيرة بالعقيدة ليصحح لهم مثل هذه الأمور.

 

فالواجب إذا واجه الداعية منكرًا عقديًا أن يعلمه بالحكمة، وأن يبين الحق بالدليل.

 

ولا يصح أن يقال:

 

بما أن بعض أفراد الجماعة وقعوا في خطأ في مكان ما، فالجماعة كلها تؤيد ذلك الخطأ.

 

كما لا يصح تجاهل الخطأ بحجة أن الجماعة تقوم بأعمال عظيمة.

 

الحق يُقبل، والخطأ يُرد، والإنسان يتعلم وينصح.

 

الثالث عشر: المبادئ الستة

 

اشتهرت جماعة الدعوة والتبليغ بما يسمى المبادئ أو الصفات الست، وهي في الجملة تدور حول معانٍ إيمانية معروفة:

 

الكلمة الطيبة والشهادتان.

الصلاة.

العلم والذكر.

إكرام المسلم.

الإخلاص.

الدعوة إلى الله.

 

وهذه المعاني في أصلها ليست دينًا جديدًا، ولا عقيدة مستقلة.

 

فالصلاة فرض معلوم، والعلم مطلوب، والذكر مشروع، والإخلاص أصل كل عمل، وإكرام المسلم من الأخلاق الإسلامية، والدعوة إلى الله ثابتة بالكتاب والسنة.

 

والنقاش الصحيح ينبغي أن يكون حول طريقة عرض هذه الصفات وترتيبها وتطبيقها، لا حول أصل المعاني نفسها.

 

الرابع عشر: الرفق ليس ضعفًا

 

قد يظن بعض الناس أن اللين مع العاصي أو الجاهل يعني السكوت عن الخطأ.

 

وهذا غير صحيح.

 

الرفق لا يعني إقرار الباطل.

 

والحكمة لا تعني ترك الحق.

 

والرحمة لا تعني عدم إنكار المنكر.

 

بل الحكمة هي أن تعرف ماذا تقول، ومتى تقول، وكيف تقول، ولمن تقول.

 

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

 

«يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا».

 

ولهذا فإن من أعظم نقاط القوة في العمل الدعوي أن يستطيع الداعية أن يصل إلى إنسان يكره المواعظ، فيبدأ معه من الصلاة، أو من ذكر الله، أو من محبة النبي صلى الله عليه وسلم، أو من التوبة، ثم ينتقل به شيئًا فشيئًا إلى العلم والعمل والاستقامة.

 

الخامس عشر: الدعوة ليست بديلًا عن العلماء

 

وهذه نقطة ينبغي التأكيد عليها.

 

جماعة الدعوة والتبليغ ليست بديلًا عن العلماء، كما أن العالم ليس مطالبًا بأن يقوم بكل صور العمل الميداني التي يقوم بها الدعاة.

 

المجتمع يحتاج إلى:

 

العلماء والفقهاء.

المدرسين والمربين.

الدعاة.

حفاظ القرآن.

أئمة المساجد.

العاملين في الإصلاح الاجتماعي.

وكل من يستطيع خدمة دين الله في مجاله.

 

والخلل يحدث عندما يظن أحد الفريقين أنه يستطيع الاستغناء عن الآخر.

 

الأفضل أن يتعاون أهل الدعوة مع أهل العلم:

 

الداعية ينشر، والعالم يصحح، والمربي يربي، وطالب العلم يتعلم ويعلّم.

 

وهكذا تتكامل الجهود.

 

السادس عشر: لا تجعل الجهاد شعارًا لتبرير الخروج

 

ومن المسائل التي تحتاج إلى تصحيح ما يرد أحيانًا من ربط الخروج الدعوي بالجهاد على إطلاقه.

 

الجهاد في الشريعة باب عظيم له أحكامه وضوابطه وأبوابه الفقهية، وليس من الصواب أن يقال إن كل خروج دعوي هو «جهاد» بالمعنى الفقهي نفسه.

 

وفي الوقت نفسه فإن محبة نصرة الدين، والدعوة إلى الله، وإصلاح الناس، وبذل المال والوقت في الخير، كلها معانٍ عظيمة ينبغي أن تكون في قلب المسلم.

 

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم:

 

«من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من نفاق».

 

وهو حديث صحيح أخرجه مسلم.

 

لكن فهم هذا الحديث يجب أن يكون في إطار أحكام الجهاد الشرعي، ولا يجوز تحويله إلى دعوة إلى العنف أو الفوضى أو الاعتداء على الناس.

 

فالدعوة إلى الله لها أبوابها، والجهاد له أحكامه، وكلاهما لا يصح أن يُفهم بعيدًا عن العلم والفقه.

 

السابع عشر: ما المنهج العادل في الحكم على جماعة التبليغ؟

 

يمكن اختصار المنهج العادل في ست قواعد:

 

1. لا تقديس ولا تشويه

 

الجماعة ليست معصومة، كما أن أفرادها ليسوا جميعًا على درجة واحدة.

 

2. لا تنسب قولًا إلا بعد التثبت

 

لا يكفي أن يقال: «قال الشيخ فلان».

 

بل يجب الرجوع إلى كلامه في مصدره، ومعرفة السؤال والجواب والسياق والتاريخ.

 

3. فرّق بين المنهج والفرد

 

خطأ شخص لا يصبح تلقائيًا عقيدة للجماعة كلها.

 

4. لا تجعل الخلاف سببًا للعداوة

 

يمكن أن تختلف مع طريقة جماعة، وتبقى محبًا للخير الذي عند أفرادها.

 

5. طالب بالعلم مع العمل

 

الدعوة بلا علم قد توقع في الخطأ، والعلم بلا عمل قد يتحول إلى معلومات بلا أثر.

 

6. تعاون على البر والتقوى

 

إذا وجدت جماعة تعمل في الصلاة والذكر والتوبة والدعوة وإصلاح الناس، فشاركها في الخير، وانصحها فيما ترى فيه خطأ شرعيًا بالدليل والحكمة.

 

وهذا قريب من المنهج الذي قرره الشيخ ابن باز رحمه الله: معهم في الخير، وعليهم فيما أخطؤوا فيه.

 

الثامن عشر: ماذا نريد من جماعة الدعوة والتبليغ اليوم؟

 

إذا أردنا أن تصبح الدعوة أكثر قوة وتأثيرًا، فليس المطلوب هدم التجربة، وإنما تقويتها.

 

نريد:

 

دعوةً مع العقيدة الصحيحة.

 

حماسًا مع العلم.

 

خروجًا مع فقه الأولويات.

 

ذكرًا مع تدبر.

 

دعوةً مع عناية بالأسرة.

 

إكرامًا للمسلمين مع تصحيح الخطأ.

 

لينًا مع ثبات على الحق.

 

تعاونًا مع العلماء وطلبة العلم.

 

دعوةً عالميةً مع مراعاة اختلاف المجتمعات والثقافات.

 

فإذا اجتمعت هذه المعاني، أصبح العمل الدعوي أقوى وأنفع.

 

خاتمة: كن منصفًا

 

يا أخي الكريم، إذا رأيت رجلًا من جماعة التبليغ يصلي ويحافظ على المسجد، ويترك المعصية، ويقوم الليل، وينفق من ماله، ويذهب إلى الناس ليذكرهم بالله، فلا تجعل خطأً سمعته عن شخص آخر سببًا لاحتقار هذا الخير.

 

وإذا رأيت خطأً شرعيًا، فلا تسكت عنه بدافع التعصب للجماعة.

 

وإذا سمعت طعنًا فيها، فلا تقبله بلا تثبت.

 

وإذا سمعت مدحًا لها، فلا تقبله بلا تثبت أيضًا.

 

فالحق أكبر من الجماعات، والكتاب والسنة فوق الجميع.

 

وليس من الإنصاف أن نحاكم تجربة دعوية واسعة بأخطاء أفراد، كما أنه ليس من الإنصاف أن نرفض كل نقد علمي بدعوى أن الجماعة لها جهود عظيمة.

 

إن جماعة الدعوة والتبليغ، كسائر الأعمال البشرية، فيها خير وأفراد صالحون، وفيها تفاوت وأخطاء تحتاج إلى تصحيح. والواجب أن نأخذ الخير ونقويه، ونصحح الخطأ بالحكمة، ونفتح أبواب التعاون بدل أبواب الخصومة.

 

وقد كان من كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في وصف أثرهم أن لهم تأثيرًا في هداية الناس، وأن عندهم لينًا وإيثارًا وأخلاقًا، مع حاجتهم إلى مزيد من العلم وتصحيح بعض الأخطاء.

 

وهذا ربما هو أقرب ما يكون إلى الإنصاف:

 

لا نقل إن الجماعة معصومة، ولا نقل إنها باطلة.

بل نقول: فيها خير كثير، وفيها أخطاء، وننصر الخير، ونصحح الخطأ، ونزن الجميع بالكتاب والسنة.

 

قال الله تعالى:

 

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

 

فاللهم أصلح أحوال المسلمين، وأصلح جماعات الدعوة، واهد الدعاة إلى سبيلك، وارزقهم العلم النافع والعمل الصالح والإخلاص والحكمة، واجمع القلوب على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

 

والحمد لله رب العالمين.

 

المراجع العربية

فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله – موقع الشيخ ابن باز:

الخروج مع جماعة التبليغ – ابن باز

فتاوى الشيخ ابن باز – المنهج الصحيح تجاه جماعات الدعوة:

ما المنهج الصحيح تجاه جماعات الدعوة؟

فتوى ابن باز في جماعة التبليغ ومسائل العقيدة:

جماعة التبليغ، والصلاة في المساجد التي فيها قبور

فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله حول جماعة التبليغ:

جماعة التبليغ وطريقة دعوتهم وحكم الخروج معهم

كلام ابن عثيمين في منهج جماعة التبليغ:

منهج جماعة التبليغ – ابن عثيمين

الموسوعة الحديثية – الدرر السنية: حديث «يسروا ولا تعسروا»:

حديث يسروا ولا تعسروا

الموسوعة الحديثية – الدرر السنية: حديث تعلم الإيمان قبل القرآن:

حديث تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن

الموسوعة الحديثية – الدرر السنية: حديث «من مات ولم يغز...»

حديث من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو

القرآن الكريم – سورة النحل، الآية 125:

سورة النحل – الآية 125

القرآن الكريم – سورة الحجرات، الآية 6:

سورة الحجرات – الآية 6

 

تنبيه علمي: تعمدتُ عدم إدخال بعض القصص والأرقام والاقتباسات المنسوبة إلى عدد من العلماء الواردة في النص الأصلي؛ لأن نسبتها لمصدر أصلي موثوق لم أتمكن من التحقق منها بما يكفي. وهذا أقوى للمقال، لأن الدفاع عن الدعوة يكون بالحجة الموثقة، لا بالاقتباسات التي قد تُناقش صحة نسبتها.

No comments:

Post a Comment