
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
كثُر الكلام في زماننا عن جماعة التبليغ والدعوة، وكثرت معها الاتهامات والردود والخصومات.
ولهذا نحتاج إلى كلمة بسيطة يفهمها كل مسلم، بعيدًا عن التعقيد والمبالغة:
نحن لا نقول إن جماعة التبليغ معصومة من الخطأ، ولا نقول إن كل ما يفعله كل فرد فيها صحيح. ولكننا نقول: أنصفوا المسلمين، ولا تجعلوا الاختلاف في طريقة الدعوة سببًا للطعن في إسلام الناس ودينهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما هي فكرة جماعة التبليغ؟
بصورة مبسطة، تقوم دعوتهم على تشجيع المسلمين على أمور أساسية مثل:
المحافظة على الصلاة.
ذكر الله.
قراءة القرآن.
إصلاح الأخلاق.
التوبة والرجوع إلى الله.
تعظيم السنة ومحبة النبي ﷺ.
الخروج إلى الناس لتذكيرهم بالدين.
تشجيع المسلم على أن يهتم بإصلاح نفسه وأهله ومجتمعه.
وهذه المعاني في أصلها معانٍ عظيمة لا يختلف المسلمون في فضلها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماذا يقصدون بالخروج؟
عندما يسمع بعض الناس كلمة "الخروج" يظنون أن المقصود عبادة جديدة أوجبها الشرع على المسلمين.
وهذا ليس هو المقصود.
المقصود عندهم أن يترك المسلم بعض مشاغله مدة من الزمن، ويذهب مع إخوانه إلى مسجد أو منطقة أخرى، فيتعلم ويذكر الله ويدعو الناس إلى الصلاة والخير.
فهو عندهم وسيلة لتنظيم العمل الدعوي والتربية، وليس معنى ذلك أن الشرع أوجب على كل مسلم أن يخرج مدة معينة.
ولهذا لا ينبغي أن تتحول مسألة عدد الأيام إلى معركة دينية كبرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل تحديد ثلاثة أيام أو أربعين يومًا عبادة مفروضة؟
هنا يجب أن نكون واضحين.
إذا قال شخص:
"يجب على كل مسلم شرعًا أن يخرج عددًا معينًا من الأيام، ومن لم يفعل فقد ترك واجبًا شرعيًا."
فهذا يحتاج إلى دليل.
أما أن يضع الدعاة مدة معينة كنظام وترتيب للعمل والتربية، فهذا شيء مختلف.
فالناس في أعمالهم يحتاجون إلى تنظيم.
قد يقول المسؤول: نخرج يوم الخميس.
وقد يقول: نعمل ثلاثة أيام.
وقد يقول: نجتمع أسبوعًا.
هذه الأرقام في نفسها لا تصبح عبادة واجبة لمجرد استعمالها في تنظيم الدعوة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل جماعة التبليغ معصومة من الأخطاء؟
لا.
ولا توجد جماعة بشرية بعد رسول الله ﷺ معصومة من الخطأ.
قد يخطئ بعض أفراد الجماعة في الكلام.
وقد يخطئ بعضهم في فهم مسألة.
وقد يكون هناك ضعف في بعض الكتب أو الروايات أو الأساليب.
وقد يحتاج بعض الدعاة إلى مزيد من العلم.
كل هذا يمكن مناقشته وتصحيحه.
لكن هناك فرق بين أن تقول:
"هذه المسألة فيها خطأ ونحتاج إلى تصحيحها."
وبين أن تقول:
"كل الجماعة ضالة، وكل من خرج معها مبتدع أو فاسق."
الأول نقد علمي.
أما الثاني فيحتاج إلى علم وعدل وبينة، ولا يجوز إطلاق الأحكام الكبيرة بلا دليل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل يجب أن نوافقهم في كل شيء حتى ندافع عنهم؟
أيضًا لا.
الدفاع عن جماعة التبليغ لا يعني أن نوافق على كل كلمة يقولها كل فرد فيها.
إذا قال أحدهم شيئًا غير صحيح، نقول إنه غير صحيح.
إذا وجدنا حديثًا يحتاج إلى تصحيح، نصححه.
إذا وجدنا خطأً في الفقه، نرجع إلى العلماء.
إذا رأينا تقصيرًا في حق الأهل أو الأولاد، ننبه عليه.
الإنصاف ليس أن ندافع عن الخطأ، وإنما أن نذكر الخير ولا نظلم في ذكر الخطأ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وماذا عن الشيخ محمد إلياس رحمه الله؟
الشيخ محمد إلياس رحمه الله كان من أبرز من أسسوا هذا العمل الدعوي ونشروا فكرة إحياء الدعوة بين المسلمين في أماكن كثيرة.
ولا نقول إنه معصوم.
ولا نقول إن كل عبارة نُقلت عنه لا يمكن مناقشتها.
ولكن ينبغي أن نتعامل مع كلام العلماء والدعاة بالعدل.
إذا وجدنا عبارة تحتمل أكثر من معنى، فلا يصح أن نختار أسوأ معنى ممكن ثم نبني عليه اتهامًا خطيرًا.
فالكلام يُفهم في سياقه، والإنسان لا يُحكم عليه من جملة مبتورة دون معرفة مقصده وسياق حديثه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل معنى فضل أجر بعض الأعمال أن صاحبها أفضل من الصحابة؟
لا.
وهذه نقطة مهمة جدًا.
قد يحصل المسلم في بعض الظروف على أجر عظيم بسبب صبره أو قيامه بعمل صالح في وقت اشتدت فيه الفتن.
لكن هذا لا يعني أنه أصبح أفضل من الصحابة رضي الله عنهم.
فالصحابة لهم فضل عظيم ومنزلة لا يصل إليها من جاء بعدهم.
إذن:
زيادة الأجر في عمل معين لا تعني بالضرورة أن الإنسان صار أفضل من جميع الصحابة.
وهذا أمر ينبغي فهمه حتى لا يقع المسلم في سوء الفهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل يجوز أن نكفّر أو نبدّع بسبب الاختلاف؟
هذه من أخطر المسائل.
ليس كل خطأ كفرًا.
وليس كل بدعة كفرًا.
وليس كل خلاف دليلًا على فساد العقيدة.
والتكفير حكم خطير جدًا، لا يجوز أن يصبح سلاحًا يستخدمه المسلم ضد أخيه لمجرد أنه اختلف معه.
وكذلك التبديع والتفسيق ليسا كلمات نرمي بها الناس في كل نقاش.
العلماء لهم قواعد وضوابط في هذه الأمور، ولذلك يجب على عامة المسلمين أن يحذروا من التسرع في إطلاقها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا كان عندهم أخطاء، فلماذا لا نتركهم؟
لأن وجود الخطأ لا يعني أن كل ما عند الإنسان خطأ.
خذ مثالًا بسيطًا:
لو وجدت رجلاً يدعو الناس إلى الصلاة، ويحثهم على التوبة، ويساعد الناس على الالتزام، ولكنه أخطأ في مسألة معينة، فهل نرفض كل الخير الذي عنده بسبب ذلك الخطأ؟
الأصح أن نقول:
نقبل الخير، ونصحح الخطأ.
وهذه قاعدة مهمة في التعامل مع المسلمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالة إلى إخواننا في جماعة التبليغ
يا إخواننا:
احرصوا على العلم كما تحرصون على الدعوة.
تعلموا العقيدة والفقه والحديث من العلماء الموثوقين.
لا تجعلوا الجماعة أكبر من الدليل.
إذا ظهر لكم خطأ فارجعوا إلى الحق.
لا تتركوا حقوق الأهل والأولاد بسبب الدعوة.
ولا تجعلوا الخروج سببًا في تضييع واجب شرعي.
وكونوا رحماء بالناس، قريبين منهم، متواضعين، بعيدين عن التعصب.
فالمقصود من الدعوة هو إرضاء الله، وليس الانتصار لاسم الجماعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورسالة إلى إخواننا الذين ينتقدون الجماعة
إذا رأيت خطأً، فتكلم عنه.
إذا وجدت حديثًا ضعيفًا، فبيّن ذلك.
إذا وجدت مسألة فقهية تحتاج إلى تصحيح، فناقشها.
لكن افعل ذلك بعلم وأدب.
لا تكذب عليهم.
لا تنسب إليهم ما لم يقولوه.
لا تجعل خطأ شخص واحد دليلًا على فساد الجميع.
ولا تجعل اختلافك معهم سببًا في بغض كل من ينتسب إليهم.
انقد الفكرة، ولكن لا تظلم الإنسان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدعوة أكبر من أسماء الجماعات
في النهاية، ينبغي أن نتذكر أن الإسلام أكبر من جميع الجماعات والأسماء.
لسنا مطالبين بأن نجعل كل المسلمين نسخة واحدة.
هناك عالم، وهناك داعية، وهناك مدرس، وهناك إمام مسجد، وهناك من يعمل في خدمة الناس، وهناك من يخرج للدعوة، وهناك من يتخصص في القرآن والحديث والفقه.
كل واحد قد يخدم الدين من باب مختلف.
والأمة تحتاج إلى هذه الجهود كلها ما دامت في إطار الشرع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة أخيرة
جماعة التبليغ والدعوة ليست معصومة.
ولكنها أيضًا ليست جماعة يجوز ظلمها أو الطعن في جميع أفرادها بلا علم.
فيها أناس صالحون، وفيها دعاة بذلوا أوقاتهم وأموالهم وجهدهم في تذكير المسلمين بالله والصلاة والآخرة.
وقد يكون عند بعض أفرادها أخطاء تحتاج إلى تصحيح.
وهذا أمر طبيعي في العمل البشري.
والمنهج الصحيح ليس:
إما أن أوافقهم في كل شيء، أو أحكم عليهم جميعًا بالضلال.
بل المنهج الصحيح:
أقبل الحق ممن جاء به، وأنصح عند الخطأ، وأحفظ حرمة المسلم، وأتقي الله في الحكم على الناس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دعاء
اللهم أصلح أحوال المسلمين.
اللهم اجمع قلوبهم على كتابك وسنة نبيك ﷺ.
اللهم وفق علماءنا ودعاتنا إلى الحق والصواب.
اللهم اجعل الدعوة سببًا للهداية لا سببًا للخصومة.
اللهم ارزقنا العلم مع الأدب، والغيرة على الدين مع الرحمة بالمسلمين.
اللهم اغفر للشيخ محمد إلياس ولجميع من خدموا دينك، وتجاوز عن أخطائهم، وانفعنا بما أصابوا فيه.
اللهم اجعلنا من أهل الإصلاح، ولا تجعلنا من أهل النزاع والفرقة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.

No comments:
Post a Comment